حقيقة راشد الخياري التي لا يمكنُ لهيئة الدفاع تجميلها !

حقيقة راشد الخياري التي لا يمكنُ لهيئة الدفاع تجميلها !

أن يكون المرءُ عقلانيّا خلال لحظات التزييف أمر نادر ومُجهد، أحيانا، يُسيطر الحينيّ على التوجه العام وتتراجعُ الذاكرة الجماعية- وننسى ما كان بالأمس يُؤرقنا من ترهيب وتكفير وممارسات رجعية تحت قبّة باردو. جعلتنا الديكتاتورية الناعمة للانقلاب، ننسى الفترة الحالكة التي مرّ بها العمل التشريعي في برلمان 2019، وما عصف بباردو من عُنف وخطاب كراهيّة وتطرّف من قبل الكتلة المارقة ائتلاف الكرامة، والنوّاب المتطرفين الذين جعلوا من الحصانة ذريعة للتشويه والتحريض والابتزاز ونشر الأكاذيب والفرار من العدالة. يُحاول الإسلاميون وخاصّة المتطرفون منهم الترويج لأبطال من ورق ومُغالطة الرأي العام الوطني والدولي، انها رياضتهم المُفضلة، لعبُ دور الضحيّة.

نظمت هيئة الدفاع عن راشد الخياري،  ندوة صحفية للكشف عن مستجدات القضية، اليوم 11 أكتوبر 2022، وكان حاضرا كلّا من زوجته دنيا العكاري والمحامي مختار الجماعي و النائبة السابقة سميرة الشواشي. ثلاثتهم، حاولوا اظهار الرجل كضحية لنظام قمعيّ ينكل بمعارضيه في السجون من أجل عملهم السياسي والنيابي  النبيل وموافقهم الشُجاعة.

بينما لا تشبهُ هذه الصورة الناصعة الشخصيّة التكفيرية، العنيفة، الكارهة للنساء، المعادية للحقوق والحريات، التي شاهدناها ترتكبُ جرما تلو اخر أمام عدسات كاميرا النقل المباشر لأشغال البرلمان ; ان ضرورة التمتع بمحاكمة عادلة وقرينة البراءة لا يمكنها أن تتعارض مع الايمان بأن القانون يجب أن يعلو على الجميع.

انّ ما قدمته هيئة الدفاع من انشاء عاطفي لتسوّل المساندة، يتنافى مع حقيقة القضايا التي قدمت تفاصيلها. قدّم لسانُ الدفاع مختار الجماعي تفاصيلا عن القضايا الموجهة ضد الخياري :

– تم القبض عليه من أجل منشور تفتيش من أجل جنحة اثر شكاية تقدم بها محامي في حق رئيس الجمهورية ضد تصريحات وتدوينات اعتبر أنها تمس برئيس الجمهورية وقُضي في حقه بـ 6 أشهر رغم أنه محال على ذمة قضية أخرى  وتم استنطاقه ثم ادانته.

– لهُ قضية ثانية منشورة لدى المحكمة الابتدائية بتونس 2، تتعلقّ بملف استقصائي من أجل الإساءة عبر الشبكات (تم تأخيرها).

– لهُ قضية أخرى أمام أنظام محكمة بن عروس  بتهمة معالجة معطيات شخصية لقصر دون اذن من ذويهم  (بطاقة إيداع بالسجن).

– له قضية منشورة أمام المحكمة العسكرية   بعد ادعائه وجود قاعدة عسكرية أمريكية بأحدى ثكنات الجمهورية التونسية. يحاكم بتهمة افشاء أسرار عسكرية  (3 أشهر سجن، النيابة طعنت بالاستئناف وابدال العقاب الى سنتين مع النفاذ العاجل)

كيف يُمكن أن تتنزل هذه القضايا ضمن العمل النيابي أو حرية التعبير؟ هل تتضمن أعمال نائب بمجلس نواب الشعب التشويه  والتشهير والثلب  ونشر المعلومات الزائفة وخرق المعطيات الخصوصية لأطفال قصر؟ لا نظنّ ذلك، لا يمكن اعتبار هذه التهم “كيدية أو سياسية” ولا يمكن للتضامن مع معارضي السلطة أن يتحول لتطبيع مع الاجرام فقط نكاية في قيس سعيد. الموضوعية أن نقف في المنتصف ونشير للبديهيّ : انّ الخياري يحاكم من أجل جرائم قام بها ولم تُنسب اليه نكاية أو خطأ.

 

ماذا عن   الشكايات التي ظلت في رفوف المحاكم لسنوات، قبل انقلاب 25 جويلية ؟ لنذكر على وجه الخصوص، تلك التي رفعها فيصل التبيني ومحمد عمار وعبير موسي أو تلك المرفوعة منذ سنة 2019  من قبل الصحفي حمزة بلومي الذي تعرض للهرسلة والتكفير؟ هل هؤلاء أيضا كانوا أذرعا للانقلاب قبل أن يحدث ؟

 

اليكم شهادة المحامي :

“الخياري فضح وشهّر وقدم وثائق حول تمويل الحملة الرئاسية لقيس سعيد وهو الان يدفعُ الثمن، ملف التمويل قُبر رغم أنه يحمل قرائن واعترافات ودلائل تؤكد  هذه الجريمة الانتخابية التي ستؤدي لابطال قضية الانتخابات الرئاسية.  واستهدف لأنه صحفي صعب المراس وله عمل استقصائي، كما استهدف لأنّه قدم قضية لوزير التربية بخصوص اعتداءات جنسية ضد أطفال حاملي لاعاقة وقُبرت القضية   بينما سجن من كشف الحقيقة – بين 3 و 4 أوت تم إيقاف راشد الخياري رغم أنه كان يستعد لمواجهة الانقلاب والخروج من السرية، هذا الانقلاب جعل من المحاكم العسكرية أداة لعصا غليظة لضرب خصومه. (…)المنطق يقول أن يحاسب المتهم وفق الدستور الذي صادق عليه، أي  أن  النائب في حالة لا مسائلة في حالة قيامه بعمل رقابي ضمن سياق الحصانة”

يتضمن هذا التعليق الأسباب التي يحاكم من أجلها الخياري، في تناقض تام مع محاولة تبرئته : انّ اتهام رئيس الجمهورية بتمويل حملته عبر مال فاسد هو جريمة :  نسب أمور غير قانونية لموظف لدى الدولة. انّ نشر مقاطع فيديو لقصر على الانترنت هو جريمة : معالجة معطيات شخصية لقصر. انّ التأكيد بأن راشد الخياري كان يعيش في” السرية ” هو اعتراف ضمني أنه كان فار من العدالة يتحدى الدولة بجهازيها الأمني والقضائي بينما يواصل نشر الأكاذيب من مخبئه. يتضمن هذا التعليق مغالطة كُبرى وهي أن راشد الخياري كان صحفيا ألمعيا- راشد الخياري لا يملك بطاقة صحفيّ، ليس منخرطا بنقابة الصحفيين، ولا يمكن اعتباره سوى مدوّن عرضي يستغل مساحة خاصة للتشفي وضرب الخصوم : السلوك ذاته الذي تسوق هيئة الدفاع أنه لا أخلاقيّ حين تمارسه رئاسة الجمهورية.

 

هذه الندوة تضمت الخطوات الاستراتيجية الثلاث لتظلم الإسلاميين، كلمات مفاتيح تتكررّ : 1. انها قضية سياسية ونحنُ نتعرض لمظلمة. 2. انّ موكلنا لتعرض لوعكة صحيّة وتم نقله للمستشفى. 3. انّ ما يحدثُ هو احتجاز قسري…  

ولنذكر بشكل برقيّ، أنه على عكس  الندوات السابقة التي تابعتها بيزنس نيوز للقياديين الإسلاميين، لاحظنا غيابا تاما ومريبا لكبار  المحامين الإسلاميين الذين اعتادوا التجند للدفاع عن النواب وعلى سبيل الذكر سمير ديلو وإيناس حراث، نور الدين البحيري ؟ ثم أين رفاقُ الأمس الذي اعتادوا البلطجة معا تحت قبة باردو؟ أين أعضاء ائتلاف الكرامة، والمدونون الأحرار، وثورّيو روابط حماية الثورة؟

 

اذا  كان قيس سعيد خصم اليوم بسبب تجاوز القانون وضرب مؤسسات الدولة ووضع اليد العليا على جميع السُلطات، فان ذلك لا يمحو اليّا جرائم الأمس ولا يُكفّر عن البلطجة والجرائم التي ارتكبها النواب المتطرفون. ما انفكّ راشد الخياري، يُكرّر مرارا أنّه يملك كل الأدلة ، مؤكّدا أنّه مستعد للتنازل عن حصانته البرلمانية.  اليوم، الأمر بين أيدي القضاء، و عليه فقط أن  يُفصح عن ما في جُعبتِه- و كل ما يسعنا أن نُذكّر بضرورة احترامه : المحاكمة العادلة.

 

 

 

عبير قاسمي