عام على انتخابات العراق.. أزمات البلاد “مكانك سر”

عام على انتخابات العراق.. أزمات البلاد “مكانك سر”

وإثر اندلاع احتجاجات ما بات يعرف بـ”حراك تشرين” في أكتوبر من عام 2019، استقالت حكومة عادل عبد المهدي آنذاك.

وحلّت مكانها فيما بعد الحكومة الانتقالية التي شكّلها رئيس الوزراء الحالي، مصطفى الكاظمي، وكانت مهمتها إجراء انتخابات العام الماضي التي تمت وفق قانون انتخابي جديد، كان من بين أبرز مطالب المحتجين.

وبعد عام على تلك الانتخابات، لم تتشكل حكومة جديدة ولم ينتخب نواب الشعب في العراق رئيسا جديدا للبلاد، وبالتالي لم تكن هناك حكومة مخوّلة بصلاحيات كبيرة، بما يمكّنها من إجراء الإصلاحات التي طالب بها الشبان الذين نزلوا إلى الشوارع احتجاجا.

وبمناسبة مرور عام على الانتخابات التي لم تحرز تقدما في العملية السياسية في العراق، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية بيانا قالت فيه: “قبل عام، صوت العراقيون في انتخابات مبكرة ذات مصداقية على أمل أن تسفر عن حكومة تعكس إرادة الشعب العراقي”.

وأضافت: “منذ ذلك الحين، لم يتمكن قادة العراق من حل خلافاتهم السياسية. تؤيد الولايات المتحدة إجراء حوار واسع وشامل لتشكيل مسار مشترك إلى الأمام”.

أبرز محطات عام الانسداد

  •  الانتخابات كشفت تغيرا كبيرا بموازين القوى الشعبية خاصة في البيت الشيعي، حيث تصدر التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر الكتل الفائزة بواقع 73 مقعدا من أصل 329 مقعدا، وتراجعت وبشكل كبير بقية الكتل الشيعية مثل ائتلاف “دولة القانون” بزعامة نوري المالكي و”تحالف الفتح” بزعامة هادي العامري.
  •  بقي مشهد توازن القوى الكردي على حاله تقريبا ما بين الحزبين الرئيسيين، حيث حافظ الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود بارزاني على تصدره القوى الكردية بالبرلمان، وحل ثانيا الاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة بافل الطالباني.
  • اتفقت القوى السنية الرئيسية على تشكيل “تحالف السيادة“، الذي تكوّن أساسا من تحالفي “تقدم” برئاسة محمد الحلبوسي و”عزم” برئاسة خميس الخنجر.
  • في وقت لاحق، تشكل “التحالف الثلاثي” بين الصدر وبارزاني والحلبوسي، وسعى لتشكيل حكومة “أغلبية وطنية” وليس “حكومة محاصصة”، لكنه فشل بعد أشهر من المحاولات نتيجة عقبة الثلث المعطل البرلمانية، التي حالت دون تمكن التحالف من اكمال نصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية ومن ثم تكليف رئيس حكومة جديدة.
  • في يونيو 2022، طلب الصدر من نوابه في البرلمان تقديم استقالاتهم وهو ما تم بالفعل، وطبقا للدستور جرى استبدالهم بالمرشحين الذين حلوا في المرتبة الثانية في دوائرهم، وهو ما أدى عمليا لصعود غالبية مرشحي الإطار التنسيقي.
  •  مع إعلان الإطار عن مرشحه لرئاسة الوزراء، اقتحم أنصار التيار الصدري المنطقة الخضراء ومبنى البرلمان، معتصمين فيه على مدى أسابيع.
  •  في أواخر أغسطس الماضي، أعلن الصدر اعتزاله السياسة، وعلى إثر ذلك نشبت صدامات مسلحة دموية بين أنصاره وأنصار الإطار التنسيقي والقوى الأمنية المكلفة بحماية المقار الحكومية بالمنطقة الخضراء، وراح ضحيتها عشرات القتلى ومئات الجرحى.
  • على إثر المواجهات، طالب الصدر أنصاره بالإنسحاب الفوري من البرلمان وفك اعتصامهم حقنا للدماء.

وهكذا فبعد عام من الانتخابات لم يتم انتخاب رئيس جمهورية، ولم يتم بالتالي تشكيل حكومة جديدة منبثقة عن انتخابات أكتوبر المنصرم.

ماذا بعد عام على الانتخابات ؟

يقول مدير مركز التفكير السياسي العراقي، إحسان الشمري، لموقع “سكاي نيوز عربية”: “هذا العام من الانسداد أظهر مدى عجز الطبقة السياسية العراقية المزمن، عن الدفع بمقاربة وطنية لمعالجة أزمات العراق المتراكمة وأبرزها أزمتي الديمقراطية والنظام السياسي بالبلاد، وهو أثبت أن هذه الطبقة لا تريد تغيير سلوكها ومنهجها في التعاطي مع مشكلات العراق وقضاياه، وخاصة تعاطيها مع نتائج الانتخابات وما بترتب عليها ومع الدستور”.

 تصادم مصالح

ويضيف الشمري، وهو أيضا أستاذ العلوم السياسية بجامعة بغداد: “هو انسداد مزمن لم يكن وليد عجز الآليات الدستورية بقدر ما هو تعبير عن تصادم مصالح سياسية زعاماتية ومكوناتية وحزبية، وهكذا أفرز هذا العام تحولا جديدا تمثل في النهاية بذهاب الفائز الأكبر بالانتخابات نحو المعارضة الشعبية وليس المعارضة البرلمانية حتى، وهو ما غير قواعد اللعبة بشكل كبير جدا”.

ويتابع: “لكن رغم ذلك استمر الانسداد ولم تتمكن بقية الأطراف من استكمال الاستحقاقات الدستورية وأبرزها انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس حكومة جديدة، رغم أنها تحت ضغوط كبيرة سيما ما بعد إحاطة ممثلة الأمم المتحدة بلاسخارت، والضغط الشعبي ولا سيما من قبل قوى حراك تشرين”.

ويخلص: “الآن قد تمضي القوى السياسية نحو إنجاز ما يمكن وصفه بثلثي خريطة الحل التي وضعها مقتدى الصدر، وهو ما يمكن أن يشكل حلا وسطا، وبخلاف ذلك فالوضع قد يتحول نحو صراعات مفتوحة تنجم عنها حمامات دم”.

تركيبة غير متجانسة

من جهته، يقول رئيس مركز الأمصار للدراسات الاستراتيجية، رائد العزاوي، في لقاء مع موقع “سكاي نيوز عربية”: “بعد عام على الانتخابات لا يزال الشلل السياسي هو السائد، كون التوليفة أو التركيبة الحزبية السياسية منذ العام 2003 غير متجانسة، وهي غالبا هندست بضغوط خارجية إيرانية وأميركية، بمعنى أنها لم تكن وليدة مخاض عمل سياسي وطني طبيعي، وهي شيدت على أسس طائفية وعرقية وإثنية، وهو ما قاد بالنتيجة لحكومات محاصصة، وبالتالي فشلت هذه القوى السياسية فشلا ذريعا”.

 دور الحراك الشعبي

يضيف العزاوي، وهو أيضا أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأميركية بالقاهرة :”مع حراك تشرين في العام 2019 حصلت الهزة الكبرى وكشفت عورات هذا النظام السياسي المأزوم، وبالتالي بات لزاما إصلاحه جذريا، وهو ما تحقق بشكل جزئي ضيق، فمثلا تم إصلاح النظام والقانون الانتخابيين وكذلك أصلحت مفوضية الانتخابات، وأجريت بعد ذلك انتخابات مبكرة قبل عام وكانت نزيهة وخالية من الخروق، لكن نتائجها أعادت نفس الوجوه والقوى السياسية، ورغم أن التيار الصدري تزعم الكتل الفائزة بها لكنه لم يتمكن من تشكيل حكومة بعيدة عن المحاصصة كما كان يريد”.

ويتابع: “هكذا تطورت الخلافات الشيعية الشيعية حول رئاسة الحكومة والاشتراك فيها وكذلك الكردية الكردية على رئاسة الجمهورية، وبقي البيت السني الأكثر تماسكا وتوافقا نسبيا، وتواصلت على مدى سنة كاملة المناكفات السياسية والطروحات المتضادة وصولا إلى انسحاب الكتلة الصدرية من البرلمان، وما خلفه من اختلال بالتوازنات البرلمانية والسياسية، إلى أن وصلت الأمور لحد وقوع الصدام المسلح ما بين أنصار الصدر وأنصار الإطار التنسيقي، لولا دعوة الصدر أنصاره للانسحاب وفك الاعتصام بالمنطقة الخضراء”.

 ويقول:”الساسة بالعراق مع الأسف يعقدون المشكلات والأزمات بدلا من حلها وتسويتها، كما هو مفترض بممارسي السياسة وفق ما هو متعارف عليه، وهكذا سيبقى العراق دائرا في حلقة مفرغة طالما أن هذه القوى السياسية تتصدر المشهد وتتحكم به”.

ما الحل ؟

ويختم العزاوي: “لا بد من قانون أحزاب جديد ومنع السلاح المنفلت الذي يسيطر على العملية السياسية، وإفساح المجال أمام الوجوه والقوى السياسية الجديدة القادرة على ادارة البلاد، وممارسة السياسة بما هي فن تذليل التناقضات والمشكلات المجتمعية والوطنية ومعالجتها، وليس تعقيدها واللعب على أوتارها لخدمة مصالح فئوية وحزبية ضيقة”.